الجمعة، 10 مارس 2017

جارة الوادي التي سلكت طريق الخِفة



جارة الوادي التي سلكت طريق الخِفة...



يا جارة الوادي طربتُ وعادني *** ما يشبه الأحلام من ذكراكِ


ظهورها المرح على شاشة السينما جعل منها أيقونة سينمائية، خفيفة الظل يبتهج المشاهد لطلتها. لمَ لا؟! وقد شكلت على مدار تاريخها الفني ثنائيات فنية شملت الغناء والاستعراض والتمثيل مع كوكبة فنية منهم على سبيل المثال: فريد الأطرش، وعبد العزيز محمود وكذلك محمد فوزي ومحمود شكوكو وكمال الشناوي، وغيرهم. إلا أن البداية كانت مع رائد المسرح يوسف وهبي في فيلم "جوهرة" عام 1943. هي الآنسة "نور الهدى"...

على الرغم من كونها لبنانية الأصل، كان حضورها مصريًا خالصًا، لا تشوبه شائبة اللكنة أو الألفاظ. حيث تميزت نور الهدى بدقة مخارج الحروف في نطقها، ولعل هذا ميزها في أدائها لشتى صنوف الغناء والطرب، فقد أدت الأغاني الدينية والقصائد والأدوار والموشحات والموال والديالوج والمونولوج والأغاني الخفيفة بكل إتقان وحنجرة ذهبية لا تخطئ المذهب. صوتها الذي رافقه نغم كبار الملحنين كالشيخ زكريا أحمد ورياض السنباطي ومحمد عبد الوهاب، جعل أغانيها على رغم خفتها طربًا صداح... 

رافقها الخواجه بدران (والدها) طوال فترة عملها بمصر، حتى أن الصحافة كتبت عنها يومًا تحت عنوان "نور الهدى وخيالها". عمل والدها في المقاولات، وكان يملك معملًا لصناعة (الموزاييك - الفسيفساء) أي البلاط في تركيا والتي هاجر إليها بعد زواجه من والدتها، ولذا كان ميلاد "ألكسندرا بدران" – وهو الاسم الحقيقي لنور الهدى - بتركيا في يوم 24 ديسمبر لعام 1924.

كان أول ما غنت لعبد الوهاب وهي لم تزل ابنة التسع سنوات، دور "اللي راح راح يا قلبي وشكوتك لله" من كلمات حسن أنور وقد غناها عبد الوهاب في عام 1928 على مقام زنجران، ولشدة افتتان الطفلة بصوت عبد الوهاب كان كل ما يغنيه تؤديه وتحفظه عن ظهر قلب. وقد كانت البداية من مسرح المدرسة وتولى رعايتها في الخفاء زوج عمتها والذي أوكل تربيتها موسيقيًا إلى الملحن اللبناني "خالد أبو النصر"، وحين بلغت عشر سنوات أقامت حفل غنائي بسينما "كريستال" ببيروت وقد أحيت الحفل عام 1934 دون علم والدها والذي صب غضبه عليها وحبسها بالمنزل عام كامل لأنها غنت دون إذنه، حتى رق قلبه لها ولم يجد بد من عشقها للغناء، حتى أتى عام 1942واستمعت إليها المطربة (فتحية أحمد) والتي رشحتها لـ (يوسف وهبي) والذي بدوره كان يبحث عن وجوه جديدة، وبالفعل اشتركت معه في فيلم (جوهرة) بعدما اختارت من القبعة اسمها السينمائي والذي كان ما عرفناه فيما بعد "نور الهدى"، وكانت البداية في القاهرة مع العام 1943، حتى النهاية والانقلاب عليها نتيجة الصراعات الفنية في عام 1953.

10 سنوات مثلت فيها 30 فيلم وأدت عشرات الأغاني داخل مصر التي أحبتها نور الهدى، إلا أن كرامتها أبت أن يضيق عليها الخناق أكثر من ذلك "حسبما قيل أن الضرائب طاردتها، وقيل أن الصراع الفني حجبها عن الظهور المسرحي وقيدها في ثوب السينما والأغاني الخفيفة". بعدما غنت لكبار الشعراء والملحنين، أمثال السنباطي وفريد الأطرش وزكريا أحمد، والقصبجي وفيلمون وهبي وفريد غصن وغيرهم، اختارت خفيفة الظل نور الهدى ظل الجبل ببلدة حمدون في لبنان لتحتجب عن الأنظار. وهنا ننثر قليل القليل من إبداعات نور الهدى التي أبدعت في جميع الألوان الفنية...
***
في الموال قدمت لنا صوت نقي مسترسل دونما انقطاع في ذكاء منها وقوة من صوتها، في موال "يا شارب الراح راح مالك وراح مالي" 


***
"أصل الغرام نظرة " دور شرقي أصيل أداه الفنان "محمد عثمان" وتسابق إليه أساطين الطرب في مصر والشام كي يتغنوا به، فأكم من مطربة ومطرب أنشدوه حبًا وانسجامَ.
صدقًا لم تبخل علينا نور الهدى في غناء الأدوار، وعلى وجه الخصوص إبداع صوتها في هذا الدور تحديدًا على مقام "راست" وهو من الأدوار الخالدة على مر الزمان، وقد أدته في حفل بكازينو (بيسين عاليه) في لبنان.


***
أما عن الموشحات فحدث ولا حرج، فقد تعددت الموشحات التي تغنت بها، كأنما هي الكروان يشدو ليطرب الكون في رحاب ليلة أندلسية، فيهيم بها الحاضرين، وقد شدت على مقام "نهاوند"
موشح "عبث الحب بقلبي فاشتكى" للشاعر الأندلسي "يحيى بن بقى القرطبي" 


***
وعن اللون اللبناني (الشامي) في صوت نور الهدى، نجدها تصر على أن تمتعنا بصوت وأداء فريد، حيث الخفة لم تزل تصاحبنا فلنا أن نتخيل ماذا يحدث حين يجتمع اثنان خفيفي الظل في قالب غنائي، لابد وأن تفرض بساطتهما السطوة من فرط العذوبة والسهل الممتنع في اللحن والصوت وكذلك الكلمات الآتية من رحم الريف اللبناني، كانا هذان الاثنان نور الهدى بالطبع ومعها لحن الفتى الشقي "فيلمون وهبي" في أغنية "على إم المناديلي" والتي كتب كلماتها الشاعر اللبناني (عبد الجليل وهبي)، وقد لحنها فيلمون على مقام راست، في مزج خفيف بين لحن بذرته شرقية لكن زُرع وتمت سقايته من بيئة شعبية صرفة، هكذا كان فيلمون وهبي يخطف السمع والقلب معًا ما بين السلطنة والحنين، وبالفعل هذا ما قدمته نور الهدى بكل رشاقة...


ومن فيلم "أميرة الأحلام" إنتاج 1945، للمخرج أحمد جلال. نجدها قدمت أغنية خفيفة من كلمات عباس كامل وألحان زكريا أحمد، "فاكهة وفكهاني وصوت حياني" كأنما نستمع لفتاة مصرية من حي شعبي تغني للفاكهة أو كما يقال تنادم على بضاعتها وتتغزل في جمالها... 


***
لكن ماذا عن روحانية صوتها؟
قدمت نور الهدى صوت خاشع متعبد، متمرس على الإنشاد الديني بكل توجهاته، فقد أدت القصائد والأدعية وكذلك الترانيم الكنسية...
أنشدت "رتلوا آي الكتاب المُنزل" من نظم الصاوي شعلان وألحان رياض السنباطي، على الرغم من صحبة موسيقى السنباطي بمقام كرد لصوتها، إلا أنها أفردت طبقة صوتية رخيمة طغت على اللحن، كأنما أراد السنباطي رسم لوحتين باللحن تارة وبالصوت تارة أخرى...


كما أبدعت في دور أصل الغرام نظرة، الدور ذائع الصيت في الغناء الشرقي، أثبتت التفرد بطبقات صوتها هنا في هذه الترنيمة التي رنمها العشرات من مطربي لبنان، هذا بخلاف فرق الترانيم الكنسية العديدة. لا توجد موسيقى ظاهرة في الخلفية، فقط صوتها القوي يصدح في الأرجاء مع الكورال المرنم، واليوم عُلق على خشبة... 


ولا نغفل أول أغنياتها الروحانية في القاهرة "يا رب سبح بحمدك كل شيء حي" تلك الأغنية من فيلم "جوهرة" من كلمات بيرم التونسي وألحان الفنان محمد الكحلاوي. 


***
ألكسندرا، نور الهدى، جارة الوادي، تعددت الأسماء والكروان واحد. واحدة من الأصوات التي أثرت مكتبة وتراث الغناء العربي، على الرغم من قلة أعمالها التي تركتها لنا.
في فيلم الآنسة بوسة غردت نور الهدى بمنولوج خفيف من كلمات بيرم التونسي ولحن رياض السنباطي "أنا بوسة خفيفة الظل خفيفة الشكل خفيفة الدم"
بقيت خفة نور الهدى تؤنس ذاكرتنا من مشاهد سينمائية وتشنف آذاننا برقة وخفة صوتها...

الجمعة، 3 مارس 2017

يا ذاكرة

وميراث المرء منا الذاكرة. إن هي صحت، صح معها الحال. وإن عطبت هلكت وهلك معها الحال...

الثلاثاء، 28 فبراير 2017

ذاكرة ترتجف

المعادن تنقص بالتدريج
الذاكرة تتآكل
تنتفض بقايا الذاكرة كي تستر عورتها التي انكشفت
جسد مكتنز ينهار كانهيار برجي التجارة في أيلول
أوصال ترتجف بدون داعي
ووجه يبتلع انتفاخ الجلد ملامحه
محيط شديد الملوحة تختزنه العينان...

الجمعة، 24 فبراير 2017

رواد الأغنية السعودية والسوق المصري

خلينا نقول إن السعودية ظهر منها شخصيتين غيرت مسار الغناء والفن في الخليج في فترة الستينات والسبعينيات تحديدا، وكلامي هنا عن فترة ميلاد لموجة فنية وليست احتراف...من مجرد أغاني وأهازيج شعبية سواء صحراوية أو أغاني بحرية في البحر الأحمر والخليج وأغاني سمار وجلسات لأغنية وقالب موسيقي متميز والشخصيتين دول هما طلال مداح الفنان العبقري بصدق، وأسطورة حقيقية عملت إثراء للفن في الخليج خاصة والوطن العربي عموما واللي نتيجة لاختلاطه بالفن المصري وفناني مصر طور الغناء بشكل ملحوظ على مستوى السعودية خاصة والخليج عامة، وثاني شخص هو محمد عبده... والاتنين قدروا يعبروا مسافة طويلة جدًا جدًا ويوصلوا للمواطن المصري في أغاني شغلت حيز سمعي في سوق الكاسيت. وطبعا طبعا ما ننساش موسم الهجرة لبلاد النفط والتغيير اللي طرأ خاصة عند سواقين التاكسي وكذلك السياحة الخليجية لمصر، وما نغفلش استخدام الأغنيات دي في المسرحيات عند سمير غانم كواحد من أشهر كوميديانات مصر اللي مسرحه كان قبلة للسياحة الخليجية.. يعني أغنية إبعاد كنتم واللي اتعملت في السبعينيات وغناها محمد عبده بس قبلها في أغنية مهمة قوي قوي اسمها "مركب الهند" ودي كانت في أول ألبوم عمله محمد عبده والأغنية دي ما نقدرش نحدد أنها ملك دولة محددة لسبب بسيط أنها أهزوجة شعبية من تراث غناء الصيادين وصانعي السفن على طول ساحل البحر الأحمر كله. يعني هي أغنية موجودة في مدن القناة في مصر وموجودة في السودان واليمن والسعودية وما نغفلش طبعا أنها جزء من بيئة ومهنة محمد عبده الأصلية قبل احتراف الغناء. القصد طلال مداح ومحمد عبده عملوا طفرة حقيقية في الفن في السعودية من مجرد فلكلور وتراث لأغنية حديثة. وقدروا يجذبوا السوق المصري في وقت ظهورهم.

الجمعة، 13 يناير 2017

أتوق إلى الجلسات التي كنت أتلصص عليها في صغري، تلك الجلسات البِكر. حيث كانت تثمر ثمارًا طازج من الإرث الشعبي قبل غزو وحش الحداثة القبيح...

الأحد، 1 يناير 2017

مجددي الموسيقى المصرية

علي إسماعيل بليغ حمدي محمد نوح أشهر ثلاثة ملحنين قدموا معالجات ومحاكاة مختلفة للفلكلور والتراث المصري بشكل يثري لا يبخس حق التراث، على اختلاف مشاربهم وتوجهاتهم، فالأول انتهج مسلك البهجة والزخرفة الراقصة إلى اللحن الفلكلوري أو الشعبي بمختلف ألوانه سواء كان صعيدي أو ريفي أو بحري أو بدوي مصري أو نوبي مصري. على خلاف بليغ الذي انتهج مسلك النغم الحزين في مجمل أعماله اللحنية المستقاة من التراث. وكلا الشخصين استخدما الفلكلور الشعبي الأحدث، على خلاف بعض أعمال محمد نوح والتي استقت من التراث الفرعوني معالجة متميزة...
ولذا أعتد بالثلاثة أنهم خلَّقوا تراث شعبي ولم يقوموا بإعادة إحيائه وحسب. حيث أنهم أحيوا هوية/قومية سموها ما شئتم الطابع المصري والموسيقى المصرية...

الأربعاء، 28 ديسمبر 2016

أحمل النسمة سلامي


  أحمل النسمة سلامي وأسمع البدر أنيني



ويظن المرء منا أن الحبيب مخلد. لا رحيل لا غياب، لا أرض جديدة تحتضن روحه، ولا أرض قديمة تحتضن رفاته!!
رحيل بمقدمات أو بدون، كيف يحدث هذا؟ كيف يسمح النسيم للأحباب أن يرحلوا من بيننا؟ أهذي الأرض قد ضجرت أم أن الطيبون قد ضجروا من رماديتها بل وعتمتها في بعض الأحيان.
كان الجميع يرحل أنكمش فيمر يوم الرحيل كما يمر، نواسي من نواسي وننثر ما ملكت أيدينا من الدفء كي ندثر قلوب الأحباب المرتجفة لرحيل أحبائهم. إلى أن يأتيك الصقيع...
لا قلب يدثر ولا يد تربت ولا عين تواسي، لا أحد يمكنه ملء الغياب.
جاءني الصقيع دون نظر مني ودون ترتيب، صقيع فتك بقلبي وأصاب العقل والزمن بالشلل... "ستكوا ماتت" صوت أمي المرتجف الصارخ المستنكر وكأن مسه التيه.

"وقفتي ساكتة وحيرانة ووقفت حيران وياكي وبالدموع ياما بكينا"

بئس بانورامية المرء منا، بئس التيه والتشتت الذي يفلت من بين الذراعين آخر حضن... الأيادي تشدني والأفواه تحوقل. أقبلها وألمس ما ألمس من الجسد الرقيق الراقد.

"الوردة دي ريحتك فيها"

كانت جدتي سعاد رقيقة الجسد جميلة المحيا، باسمة العين. كلما احتضنتها أحتضن برفق أتحسس بأذني دقات قلبها الحاضن لوجودي، وأتنسم رائحتها العبقة، هي الأمان والسكينة...



الاثنين، 17 أكتوبر 2016

رحل المفوه في طريق النور

عبر تحوت إلى البر الغربي، رحل إلى أرض بعيدة بعيدة غير تلك الأرض...
رحل المفوه في طريق النور 
فكيف ترثيه لغتنا الجميلة؟!
ذهب المجمعي بضاده
رقد بأرض هي للشعراء خميله
عله يعد لأربابها أمسية ثقافية...
***
حين علمت برحيل فاروق شوشة، انفلتت دموع الحنين من عيني دون إدراك. دارت برأسي أشرطة الذاكرة لتحيي ارتباطي به.
فقد عرفت فاروق شوشه وأنا لم أزل طفلة لا بتعدى عمرها الثلاث سنوات، من خلال جدتي سعاد، كنا نجلس سويًا في تمعن وإنصات لبرنامج أمسية ثقافية. أتذكر جيدًا أن ارتباطي بفاروق شوشه قد نشأ بسبب جدتي سعاد حينما كانت تدير مؤشر المذياع (الراديو) لتأتي بالبرنامج العام وصوته المميز مغردًا "لغتنا الجميلة" وصباح كل جمعة بروحانية حنونة "في طريق النور"...
أدين بفضل المعرفة لجدتي. في كل حلقة من حلقات أمسية ثقافية كنت أرى هذا الرجل مطلًا على شاشة صغيرة يقرأ ويقدم ويحاور ويداعب من معه برزانة لغوية مميزة، وكنت أظن وقتها أن أمسية ثقافية وقتها مقدس لا مناص من حضوره بجوارها. كنت كلما قرأت له حرفًا بعدما عرفت طريق القراءة لا بد من ظهور طيف جدتي سعاد ليؤنسني في حضور فاروق شوشة، دواووين شعره، أشعاره مفردة، برامجه، مقالاته في العربي الكويتي وغيرها من منصات ومنابر يعتليها حرفه، أقرأ وأبتسم، أقرأ وأبتسم.
***
فاروق شوشة كان وجهه مميز، فكنت أربط بينه وبين الإله تحوت (رب الكتابة والأدب)، ليس بسبب الكتابة والشعر والأدب وحسب، إنما بسبب ملامح وجهه، وهيئئة أنفه الذي كان يشبه أبو منجل (رأس الإله تحوت). كلما طل ذكرته بتحوت في هيئته. حتى عينه التي رأت واختزنت من كنوز المعرفة الكثير حتى أنها تكورت وانغلقت على بؤبؤه البراق وغطت جيوب عينه بياضها، كعين أبو منجل الخالية من البياض...
سلام لك وعليك وسلام لمن نحب في الأرض البعيدة...

 
قُطُوُف - Blogger Templates, - by Templates para novo blogger Displayed on lasik Singapore eye clinic.